ابن أبي العز الحنفي
175
شرح العقيدة الطحاوية
صدقا ، إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير اللّه ! وقد فرقوا بين الكلامين على أصولهم الفاسدة : أن ذاك كلام خلقه اللّه في الشجرة ، وهذا كلام خلقه فرعون ! ! فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقا غير اللّه . وسيأتي الكلام على مسألة أفعال العباد ، إن شاء اللّه تعالى . فإن قيل : فقد قال تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الحاقة : 40 . والتكوير : 19 . وهذا يدل على أن الرسول أحدثه ، إما جبرائيل أو محمد . قيل : ذكر الرسول معرّف أنه مبلّغ عن مرسله ، لأنه لم يقل إنه قول ملك أو نبي ، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به ، لا أنه أنشأ من جهة نفسه . وأيضا : فالرسول في إحدى الآيتين جبرائيل ، وفي الأخرى محمد ، فإضافته إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ ، إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه الآخر . وأيضا : فقوله رسول أمين « 143 » ، دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه ، بل هو أمين على ما أرسل به ، يبلغه عن مرسله . وأيضا : فإن اللّه قد كفّر من جعله قول البشر ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلّم بشر ، فمن جعله قول محمد ، بمعنى أنه أنشأه - فقد كفر . ولا فرق بين أن يقول : إنه قول بشر ، أو جني ، أو ملك ، والكلام كلام من قاله مبتدئا ، لا من قاله مبلغا . ومن سمع قائلا يقول : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل - قال : هذا شعر امرئ القيس ، ومن سمعه يقول : « إنما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى » « 144 » - : قال : هذا كلام الرسول ، وان سمعه
--> ( 143 ) قال الشيخ أحمد شاكر : الآية التي ذكرها الشارح إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ جاءت مرتين في سورة الحاقة : 40 وليس فيما بعدها الوصف بلفظ ( أمين ) . والأخرى في سورة التكوير : 19 ، ثم بعدها : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ - 20 ، 21 . فتعبير الشارح بقوله : وأيضا فقوله : رسول أمين فيه شيء من التساهل ، لم يرد به حكاية التلاوة ، وانما أراد المعنى فقط . ولو قال : وأيضا فوصف الرسول بأنه ( أمين . . . » كان أدق وأجود . ( 144 ) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وهو اوّل حديث في « صحيح البخاري » .